ابراهيم بن عمر البقاعي
536
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
يكفي عنها خبر واحد على سبيل الجمع ؛ ثم زاد في التنفير عنها تأكيدا لرجسيتها بقوله : مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ أي المحترق البعيد ، ثم صرح بما اقتضاه السياق من الاجتناب فقال : فَاجْتَنِبُوهُ أي تعمدوا أن تكونوا عنه في جانب آخر غير جانبه . وأفرد لما تقدم من الحكم ، ثم علل بما يفهم أنه لا فوز بشيء من المطالب مع مباشرتها فقال : لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * أي تظفرون بجميع مطالبكم ، روى البخاري في التفسير عن ابن عمر رضي اللّه عنهما قال : « لقد حرمت الخمر وما بالمدينة منها شيء » « 1 » وفي رواية : « نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب » « 2 » وفي رواية عنه : « سمعت عمر على منبر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : أما بعد أيها الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة : من العنب - وفي رواية : من الزبيب - والتمر والعسل والحنطة والشعير ، والخمر ما خامر العقل » « 3 » وعن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال : « ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا ، وإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا إذ جاء رجل فقال : حرمت الخمر ، قالوا : أهرق هذه القلال يا أنس ! فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل » « 4 » وفي رواية عنه : « حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا ، وعامة خمرنا البسر والتمر » « 5 » قال الأصبهاني : وذلك بعد غزوة الأحزاب بأيام . ولما كانت حكمة النهي عن الأنصاب والأزلام قد تقدمت في أول السورة ، وهي أنها فسق ، اقتصر على بيان علة النهي عن الخمر والميسر إعلاما بأنهما المقصودان بالذات ، وإن كان الآخرين ما ضما إلا لتأكيد تحريم هذين - كما تقدم ، لأن المخاطب أهل الإيمان ، وقد كانوا مجتنبين لذينك ، فقال مؤكدا لأن الإقلاع عما حصل التمادي في المرون عليه يحتاج إلى مثل ذلك : إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أي بتزيين الشرب والقمار لكم أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ . ولما كانت العداوة قد تزول أسبابها ، ذكر ما ينشأ عنها مما إذا استحكم تعسر أو
--> ( 1 ) موقوف صحيح ، أخرجه البخاري 5579 كتاب الأشربة باب الخمر من العنب عن ابن عمر . ( 2 ) موقوف صحيح . أخرجه البخاري 4616 عن ابن عمر كتاب التفسير . ( 3 ) صحيح . أخرجه البخاري 5581 و 5588 و 5589 و 7337 ومسلم 3032 وأبو داود 3669 والترمذي 1874 والنسائي 8 / 295 وعبد الرزاق 1749 وابن أبي شيبة 8 / 106 وابن حبان 5353 و 5358 و 5359 والبغوي 3011 وأحمد في الأشربة 185 كلهم عن ابن عمر موقوفا عليه . ( 4 ) صحيح . أخرجه البخاري 5583 و 5622 و 5584 ومسلم 1980 والنسائي 8 / 287 وابن حبان 5352 و 5362 و 5363 و 5364 والبيهقي 8 / 290 والطحاوي 4 / 213 وأحمد في الأشربة 136 وفي المسند 3 / 183 و 189 و 190 كلهم عن أنس بن مالك بألفاظ متقاربة . ( 5 ) هذه الرواية عند البخاري برقم 5580 ومسلم 2982 عن أنس بن مالك .